Photo Exhibition – Collection Antranik Anouchian – 2024

المصوّر أنترانيك أنوشيان المُتفوّق على نفســــــه بالبـــورتــــــريـــــــه
 
إنّ قلّة الإهتمام بالتصوير الفوتوغرافيّ كفنّ ثامن، وليس كمجرّد سبيل للإرتزاق وكسب اللّقمة، هي التي أحاطت وتُحيط مُزاوليه بالكثير من الغموض، وبالضباب الذي لفهم، بحيث لم يعرف عنهم مُعاصروهم أكثر من أسمائهم، أو عناوين إستوديوهاتهم. فيما يجهل الجيل الطالع كلّ شيء عنهم، رغم تناثر صورهم في الألبومات المنزليّة، وفي مجموعات الحفظة .
 
فالفضول العلميّ الهادف إلى إضاءة ما عتّم عن هذا الفنّ الذي هو أساساً وليد الضوء، نادر وضئيل، بالقياس إلى الأهميّة التي تحتلّها الصورة في حياتنا، والأثر الذي تتركه في النفوس .
وبسبب هذا المقدار غير القليل من الإجحاف، الأقرب ما يكون إلى الغبن اللّاحق بفنّ التصوير، وبمُمْتهنيه، وجدت نفسي، منذ عقود، مسوقاً إلى إيلاء هذا الشأن ما يستأهله من إنتباه، وإهتمام. وقد نجحت في إنتشال الكثير من الأسماء من العتمة التي إنزلقت إليها، وأخفقت في إنتشال أخرى، لعدم إستهدائي إلى من يمدّ يد العون لي في سعيي، من أصدقائهم، ومن ذوي العلاقة .
وإنّ ما قمت به، على إمتداد الأعوام، لا يعدو كونه جهداً في إتجاه خلق مناخ يعيد الإعتبار لمروحة واسعة من المصوّرين، وفي الأخصّ، اللامعين منهم، ويتيح إنارة جوانب من سيرهم كي لا تبقى بكاملها في الظلّ، وخشية إنحدارهم إلى النسيان، ثمّ إلى الغياب، بعدما كانوا، لوقت طويل، طليعة مقاومي الغياب بالصور .
إعتماداً على هذه الرؤية وجّهت، فيما مضى، سلسلة من الإضاءات الخفيفة على مجموعة من المصوّرين الذين نشطوا في طرابلس، خلال القرن الماضي على صفحات جريدة "النهار" . وقد جاءت تحت عنوان "مصوّرون في طرابلس". ويندرج المقال الذي تناولت فيه المصوّر أنترانيك أنوشيان رابعاً في السلسلة. وكان بين أيدي القرّاء يوم الجمعة في ١٢ ايار ١٩٨٩، متوّجاً  بالعنوان الآتي: "زقاق التلّ والسنترال كان فيه أنوشيان". ولم يكن قد أتيح لي بعد عرض نماذج من نتاجه التصويريّ كنت قد ضممتها إلى مجموعتي الخاصّة، لا في "معهد العالم العربيّ"، في باريس، ولا في "البيت العربيّ"، في مدريد، ولا في سواهما من الأمكنة. ولا كنت قد أتيت على ذكره بعد في محاضرتي عن التصوير الفوتوغرافيّ في مركز الشيخ إبراهيم الثقافيّ في البحرين .
أنترانيك أنوشيان الذي تحتفلون به اليوم، بعرض مجموعة من صوره المأخوذة لوجوه زغرتاويّة خلال سني عمله، هو من مواليد شابين كاراهيسار في منطقة سيفاز التركيّة، سنة ١٩٠٨. حالفه الحظّ صغيراً بالنجاة من مذابح الأرمن (١٩١٦) التي حرمته من والدته، ومن ستّة إخوة. وطرحته في دار للأيتام في حلب. قبل أن ينتقل إلى أنطلياس. وينتهي في طرابلس حيث إستقرّ، حتّى تاريخ قريب من صدور مقالي عنه، وتأهّل من آربينيه تاتوليان، ولم يرزقا أولاداً .
 
ولأنّ كلّ غريب للغريب قريب، ضمّه إبن جلدته، وشريكه في الرزوح تحت وطأة المذابح، وما خلّفته من نتائج كارثيّة، وأهوال، المصوّر فاهان ديرونيان الذي كان يكبره سنًّا، والذي إشتهر، فيما بعد، بفتحه استوديوهات في بيروت وحلب، ضمّه مراهقاً إلى محلّه التصويريّ الكائن في بناية سليمان عريضة، في مواجهة قصر نوفل، ومكان حلويات العرجة، بعدئذ. وهناك بدأ يكتسب ألفباء المهنة تصويراً، تظهيراً، تكبيراً، ومعالجة للطبقة الحسّاسة في المختبر، وروتشة. وهو لن يلبث أن برع، أيّما براعة .
ديرونيان سيُغادر طرابلس في مستهلّ الحرب العالميّة الثانية، وهو سيتخلّى عن محلّه لصالح أنوشيان مُسهّلاً عليه باب الإرتزاق من الكار الذي كاد يكون أرمنيًّا، لفرط إقبال الأرمن عليه في لبنان، تصويراً، مختبرات، ومستلزمات. وقد ترافق إحلال إسم محلّ إسم آخر على آرمة المحلّ مع تدفّق الجيوش الأجنبيّة إلى لبنان، وتعززّ مصادر الدخل، سواء بالتصوير داخل الاستوديو، أو بالتغطيات خارجه. سوى أنّ أنوشيان لن يثبت في الاستوديو الموروث، إنّما سينتقل إلى مكان آخر لا يبعد كثيراً، قرب صالون ومكتبة "الأوبرا"، ثمّ إلى ثالث في زاروب من الزواريب الكائنة بين المباني التي تربط التلّ بشارع السنترال، دون أن يخرج في تنقّلاته عن نطاق التلّ الذي كان قلب المدينة النابض، وواجهتها، وعنوان حداثتها .
غير أنّه حيثما حلّ لن تخونه القدرة على التصوير، سواء في إلتقاطه لوجوه عناصر "جيش الشرق" الفرنسيّ، أو في تصويره العائليّ البسيط، أو في ما هو أشدّ تعقيداً، وتطلّباً للمهارة، أعني تصويره للوجوه. فالقمّة في الفنّ هي رسم الوجه، بحسب "سيزان". وما يصحّ في مجال الرسم ينطبق على مضمار التصوير أيضاً. سوى أنّ الكاميرا تستطيع، على حدّ قول "برنارد شو" أنّ تصوّر الوجه، في وضوحه الأقصى، وسرّه الأنعم، كما لم يفعل أي رسّام من قبل، وبجدّيّته، وصدقه. وأنوشيان لن يتأخّر في البرهنة على مبلغ نجاحه في أخذ البورتريهات، وفي إختيار البؤرية، وزاوية إلتقاط الصورة، وتحيُّن اللّحظة المناسبة للضغط على زرّ إلتقاطها، والتحكّم بالإضاءة .
فالشغف بالمهنة واكبته سعة موهبة في ضبط تعابير الوجوه، والشخصيّات التي يعكسها تغيّر الضوء، فَقادَه وَلَعه بتصوير البورتريه إلى البحث عن نماذج بشريّة مُجسّمة لتطلّعاته، مُبرزة لموهبته، بين المتسولّين، والعمّال، الذين لم تكن أرصفة شارع التلّ بخيلة بهم. فيصوّر وجوهم، دون مقابل، لا بل ربّما كان يستدرجهم ويُغريهم بـ "بخشيش"، وهم يرتدون ما عليهم من أسمال، وتكون النتائج المُذهلة أشبه باللّقطات السينمائيّة في الأفلام ، لما كان يتمتّع به من حسّ تصويريّ، ولإجادته تقنيّات العمل، ولحسن إتّصاله، كمصوّر، بالنموذج، وإكتشافه أفضل التعابير، عبر المُلامسة البصريّة بين النظرتين .
 
طبعاً هذا كلّه لا ينبغي أن يقود مُتَتَبّعي هذا الكلام إلى التفكير بأنّ شغله كان وقفاً على الإستوديو، ما دام قد برع في التصوير الخارجيّ أيضاً، وفي التكيّف مع أنوار النهار، وأحواله. وصوره لطرابلس، ولشارع التلّ، بخاصّةٍ، وللميناء، ولنفق شكّا، ولمصايف الشمال، براهين دامغة على مقدار إحساسه بالمدى، وبالقوّة، والهدوء، لدى إلتقاط المشهد. ما أهَّله للمشاركة في عدد من المعارض الدوليّة. بوجوهٍ مُسترعيةٍ للإنتباه، وبمشاهد هي إلى البطاقات البريديّة أقرب .
وينقل عنه المصوّر سيتراك ألباريان الذي أخذ عنه أصول المهنة، سنة ١٩٤١، أنّه كان حادّ الطباع، يضيق صدراً ببعض الزبائن الذين كانوا يتوقّعون أن تُغيّر الروتشة سيماءهم، وتُجمّل ملامحهم .
ومصير أنوشيان وألباريان، كلاهما، كان السفر. أنوشيان إلى باسادينا في الولايات المتّحدة الأميركيّة، عام ١٩٨١، حيث إنصرف إلى رسم الأكواريل. وألباريان، في أعقاب الظروف الناجمة عن إغتيال الرئيس رفيق الحريري، عام ٢٠٠٥، تاركاً ونجله الذي كان يساعده في شغله بيتهم في "ضهر العين – الكورة"، فترة وجيزة بعد فقدانه لزوجته، وتوجّها إلى كندا، لتتوقّف معلوماتي عند هذا الحدّ. على أمل الإستهداء، ذات يوم، أو مصادفة، من يزيدني علماً عنهما .
وكأنّ ذلك كان إيذاناً بأفول زمن الحضور الأرمنيّ الملحوظ في مجال التصوير، في المدينة، قبل أن تلي هجرتهما وفاة المصوّر جوزيف أفيديسيان، وإنطفاء آرمة محلّه في شارع يزبك .
 
محسن أ. يمّين