فـتـات الـذاكــرة
زمن "يرتشان"
كان ينبغي أن أشبك يديّ بيد جمعيّة "ذاكرة إهدن - زغرتا - بيت عدن" تعاوناً مع وزارة الثقافة اللّبنانيّة، كي لا يبقى المصوّر "يرتشان دنكيكيان" (1983 - 1919) خلف الأضواء، بعيداً عن التكريم. أنا بما في حوزتي، والجمعيّة بما وضعته في تصرّفها إبنته السيّدة آربينيه غالب من ألبومات، ووثائق، وتكبيرات .
ولَكَم يغمرني الشعور بالرضى، أنا الذي إنطلقت الشرارة الأولى لإهتمامي، لا بل شغفي بالصور القديمة، وبتاريخ التصوير الفوتوغرافيّ، من محلّه في إهدن. لأنّني ساهمت، بتعاوني مع "المؤسّسة العربيّة للصورة" في بيروت، خلال ربع القرن الماضي، بوضع "يرتشان"، وبوضع نماذج من نتاجه التصويريّ، تحت دائرة الضوء، في معارض نُظّمت في عدد من المدن الأروبيّة، ترامت أصداؤها إلى الصحف الأميركيّة. وقد جاء ذلك في سياق لم يقتصر على تجربته الشخصيّة فحسب، بقدر ما شمله مع مصوّرين شماليّين آخرين، وعدد من الهواة. وقد صدر لي، على هامش هذا الإهتمام العريض، كتابان عن دار "آكت سود" الفرنسيّة، ودار "لا فابريكا" الإسبانيّة .
سوى أنّ هذا المسعى الذي لم يدركه منه هو إلّا الرذاذ، غير كافٍ أبداً. والعرفان بالجميل يلزمني، فضلاً عمّا سقته عنه في جريدة "النهار"، بإيلائه ما يستحقّ من إنتباه محلّي. كي لا يبقى في عداد الجيل الطالع الذي أبصر النور في غيابه من يقول بأنّه لا يعرف عن "يرتشان" شيئاً، أو أنّه لم يصله عنه سوى النزر اليسير. برغم عدم بعد الشقّة الزمنيّة الفاصلة .
ومع أنّ "يرتشان" زاول التصوير في زغرتا - إهدن، وفي طرابلس، فإنّ عاصمة الشمال لا تدين له بقدر ما نُدين نحن، لوفرة المصوّرين الّذين كانوا ناشطين فيها، فيما كنّا نحن نُعاني من فراغ تصويريّ حين مباشرته لعمله عندنا، عام ١٩٤٧، في محلّ إستأجره في مبنى رشيد صوطو الكائن قبالة سرايا زغرتا القديمة (مدرسة مدام بدرا المكاري الرعيدي حاليًّا). فالمصوّر جورج حنّا يمّين كان قد لاقى وجه ربّه، عامذاك، في وقتٍ كان خلاله مصوّر زغرتا الأقدم كميل القارح، قد كفَّ عن ممارسة حرفته، لتقدّمه في السنّ. أعني أنّنا يجب أن نُقرّ بعرفان الجميل له، لحلوله بيننا في الوقت المناسب .
"يرتشان" حلبيّ المولد، والنشأة. كان قد أنهى عمله، كرقيب أوّل، في "جيش الشرق"، وتعلّمه للتصوير، نزولاً عند رغبة والده، في إستوديو "غولبنك"، في حلب، عندما ربطته شراكة الحياة بـ "ماري بوزويّان" الميناويّة المولد. ولو لم يُطاوع والده بتعلّم التصوير لكان وجد نفسه بلا عمل، بعد إنتهاء الحرب العالميّة الثانية. وبإنتقاله للعيش، مع زوجته، في شمال لبنان، توجّها بنظرهما إلى زغرتا، شتاءً، وإهدن، صيفاً، لإحتراف التصوير فيهما. فيكونان نقطة إنطلاق في مسار مهنيّ، سيكتب له الإستمرار حتّى بعد مفارقته الحياة، عام ١٩٨٣، عبر عقيلته. وقد توزّع عمل "يرتشان"، في أوّل عهده بالكتابة بالنور على زغرتا - إهدن أوّلاً، ثمّ على طرابلس، شتاءً، بعد إضطراب الأوضاع الأمنيّة في زغرتا، ليُلازم إهدن في صيفيّاتها.
والصوّر المعلّقة، لأيّام ثلاثة، على جدران هذا المعرض، والمطبوعة عن عدد من اللّفّافات المُلتقطة عندنا، أواخر الأربعينيّات، حتّى منتصف الخمسينيّات، قام الصديق سميح زعتر بمجهود جبّار من أجل رقمنتها، قبل أن نتشارك في إختيار حصيلة أوّليّة منها. هذه الصور تشكّل الدليل الحسّيّ على أن "يرتشان" لم يحصر نفسه داخل الأستوديو إبّان ممارسته لمهنته بيننا. مع أنّ نجله "هاروت" لم ينضمّ إليه في معمعته اليوميّة قبل حلول العام 1958، وهو سيستمرّ في مُشاطرته العبء حتّى العام ١٩٧٤، تاريخ مغادرته إلى مصر للعمل فيها، حتّى وفاته. وزوجته ماري لم تلحق إبنها "هاروت" في تقديم يد العون قبل العام ١٩٦٠، مُخفّفةً عنه عناء الشغل داخل الأستوديو، مُطلقةً جناحيه في التغطيات الخارجيّة .
وليس بإمكاني إطلاق نفس الحكم على "يرتشان"، فيما يختصّ بتحرّره النسبيّ من الأستديو في طرابلس، كما كان الحال وهو هَهُنا، ساحلاً كان أم جبلاً، لعدم حيازتي على حيز من اللّفّافات العائدة إلى عمله فيها، وتالياً، لعدم إمتلاكي الدليل .
وفي أيّ حال، فقد نجح "يرتشان" في إحتلال مكانة مرموقةً على مسرح الصورة الشماليّة بلقطاته التي تنطبع في وجدانك. تنطبع في ذاكرتك. سواء كانت مأخوذة في محيط سرايا زغرتا المواجهة لمحلّه، الحافل بعابري السبيل، وبهواة ركوب الدراجات الهوائيّة المؤجّرة، وبالباعة، وبرجال الدرك. أو في باحة كنيسة سيّدة زغرتا، أو على إمتداد شارع "الساحة"، أو على طريق "المخاضة" التي جعلتنا الصوّر نكتشف أنّها كانت مقصداً للمتنزّهين، والمتنزّهات، وهم بثياب الأحد. أو كانت مُلتقطة هنا في إهدن، في باحة كنيسة مار جرجس المُجاورة لمحلّه، حيث تمثال بطل لبنان يوسف بك كرم، وتمثال العلامة جبرائيل الصهيونيّ، ومزار "سيّدة لورد"، أو في ساحة "الميدان"، أو عند النبع، وقرب عيون الماء، أو على قمّة جبل سيّدة الحصن، وتحت ظلال الصليب الذي كان يُتوّجها. ففيها جميعها، وفي سواها من الأمكنة التي لم أذكرها، كانت الكاميرا رفيقة درب "يرتشان"، في حلّه وترحاله، يعتني بها، ويُحافظ على شبابها، كي تحفظ للماثلين أمام عدستها شبابهم .
وبعد، فإذا كانت البساطة وقوّة التعبير من أهمّ عناصر الصورة الجماليّة ، في "يرتشان"، بأسلوبه التصويريّ، وبالنكهة الجماليّة الطاغية على مجمل ما عاينّاه من نتاجه، قد أصاب الهدف. لأنّه قلّما كان يحشر جزئيّات داخل الكادر الواحد. فلا تضيع الفكرة الأساسيّة من موضوعه في زحام التفاصيل، ولا يتشتّت إنتباه المشاهد. ولا تتشابك أماميّة المشهد بخلفيّة الصورة .
ثمّ إذا كان "النيغاتيف"، أو السالب، هي الأنثى التي مَكّنت الصورة من التناسل، والتوالد، ومكنتني وسميح من وضع ما وضعناه أمام العيون المُتَعطّشة، فقد لفتتنا، في غمرتها، بعض الصور المأخوذة بشاعريّة، وتعذّر علينا تحديد هويّات ناسها. لكنّنا ضمَّمْناها إلى باقي المجموعة المعروضة لتكون شاهداً إضافيًّا على عمل هذا المصوّر الذي كان يحبّ مهنته، ويحبّ من حوله، ويعلّم، حق العلم، أنّ التصوير عطاء صامت من الداخل، وليس مجرّد إسم، أو شهرة .
وأخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ "يرتشان" كان قد علّم التصوير لـ "إسحق مناسيان" قبل أن يستقلّ، هذا الأخير، بمحلّين في زغرتا وإهدن، منذ العام ١٩٥٣، ويستمرّ ناشطاً فيهما حتّى هجرته إلى البرازيل، عام ١٩٧٥ .
صوَّر "يرتشان" أفراحنا وأتراحنا، ملاعبنا الرياضيّة ومهرجاناتنا السياحيّة، مشاهيرنا والعامّة، باعتنا الجوّالين والدّكاكين، فنادقنا ومطاعمنا، حركاتنا وسكناتنا، أشواقنا وأشواكنا .
وإذا كنّا نتوخّى أمراً ما، من وراء هذا المعرض، فهو أن نعلن عن عظيم تقديرنا وإمتناننا لـ "يرتشان"، وأن ندعو جميع الّذين يحتفظون بصور ممهورة المقالب بختمه، أو مُذيلة بتوقيعه بالحبر الأبيض، إلى حمايتها من التلف، والضياع .
فالماضي المُثبت في الصور، لا يموت. الماضي المقبوض عليه في الصور، يعيش، ما عاشت.
محسن أ. يمّين
